السيد محمد الحسيني الشيرازي
33
الفقه ، السلم والسلام
هل استطاعت الحضارات والأديان من تهذيب الإنسان ؟ مسألة : الهدف الذي يتوخاه الإسلام ويسعى إليه هو تهذيب الإنسان وتمكينه من العيش في هذه الحياة الأولى والحياة الآخرة بأمن وسلام ، وقد تحقق ذلك فترة حكومة القوانين الإسلامية التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام أمير المؤمنين عليه السلام . وهذا ما تدعيه أيضا سائر الحضارات والأديان وتسعى إليه ، ولكن لم تصقل سلوك الإنسان وتروض حاجاته ولم تهذب طبيعته تهذيباً كاملًا حتى في عصرنا الحاضر ، فكان التهذيب - على فرضه - بنحو المقتضي لا العلّة التامة ، ولم تستطع تحقيق أسباب السلام له على هذه الأرض . وذلك لأن الإنسان كلما تقدم في الحضارات المادية وزادت معارفه ، تعددت أهدافه واستولى على الطبيعة وأفسدها أكثر فأكثر ، وزاد حرصه وتشعبت مسالك هذا الطموح ، ولذا يطلب الإنسان أكثر من القدر المحتاج إليه ، حيث قال سبحانه : الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ « 1 » فالإنسان بالإضافة إلى احتياجاته للشؤون الحيوية وجماله العادي ، يريد أن يزداد في كل شيء ، بما لا يحتاج إليه إطلاقاً ، حتى يصل إلى مرحلة الطغيان ، كما يشاهد ذلك في غالب الحكام ، وقد عدّ لأحد الحكام العباسيين بعد موته أربعة ملايين من الثياب ! . وفي سنة ( 383 ه ) عقد القادر على ابنة بهاء الدولة بصداق مائة ألف دينار « 2 » . وكانت حفلات زفاف العباسيين من أشهر أعياد قصور الخلافة إلى جانب حفلات الختان وغيرها ، وأن نفقات زفاف هارون العباسي والتي دفعت من بيت مال المسلمين بلغت خمسين مليون درهم « 3 » . وأن نفقات زفاف المأمون بلغت ( 38 ) مليون درهم من غير ما أعطاه لوالدها
--> ( 1 ) سورة الهمزة : 2 . ( 2 ) حياة السيد المرتضى ( قدس سره ) : ص 303 . ( 3 ) رياض المسائل : ج 2 ص 16 .